محمد بن زكريا الرازي

301

منافع الأغذية ودفع مضارها

ينتصب قدر نصف ساعة بمقدار ما يستقر الطعام في قعر المعدة . فأمّا الاستلقاء مع الفراغ من الطعام قبل المشي الرفيق والانتصاب قليلا ، فليس بمحمود . فإن كانت العادة قد جرت ، فليكن الرأس والعنق عاليا ، والبدن متصوّبا إلى أسفل تصوّبا كثيرا . وعلى هذا الشكل ، ينبغي أن يكون النوم بعد الطعام ، ولو على خشب . فإن تسفّل الرأس وعلوّ البطن رديء جدا بعد الأكل . والأجود أيضا أن ينام بعد الاستلقاء ، وأن يكون الاستلقاء على الجانب الأيسر ساعة بمقدار ما يحس أنه قد سخن هذا الجنب ، ثم ينام على الأيمن . فهذا هو الأحمد في أكثر الأحوال . وقد يقع الأمر الواحد بخلاف ذلك ، فلينظر كل إنسان إلى ما هو أخف عليه ، وألذ عنده ، وأسهل لنفسه ، فيجعل وقت نومه الأطول عليه . ومتى كان تعتريه علل في كبده ، فالنوم على الجنب الأيمن بعد التملىء من الطعام يضره . ومتى احتاج إلى المشي بعد الطعام لأن يخف الطعام عن أعالي المعدة قبل النوم ولا يمتلئ الرأس ، فليكن مشيا « 1 » ، رفيقا ساكبا . وأما من احتاج إلى إخراج الثفل من الأمعاء ، وكان الطعام قد نزل عن المعدة إليها ، فليكن مشيا قويا خشنا مزعزعا . ويمنع من امتلاء الرأس عن كثرة الطعام ، إسهال البطن ، والرباط على الساقين ، ودلكهما ومأبضهما « 2 » والقدمين وغيرهما ، والمشي الطويل الرفيق ، والمدافعة بالنوم ، ولزوم الانتصاب ، إلى أن يخف البطن ، وأن ينام إذا نام على شكل متصوب ، كما ذكرنا .

--> ( 1 ) مشيا رفيقا ساكنا : هو المشي الهادىء البطيء الذي يساعد على هضم الطعام وانسكابه بشكل جيد . وهو عكس المشي السريع القوي الخشن المزعزع لجميع حواشي الجسم . أو الذي يحرّك معظم الأعضاء في الجسد . ( 2 ) المأبض : الأبض بالسكون : الشد والأبض التخلية والأبض تأتي بمعنى السكون والحركة . والأبض بالضم : الدهر وجمعه آباض . أما الإباض : فهو عقال ينشب في رفع البعير وهو قائم فيرفع يده فتثنى بالعقال إلى عضده وتشد . والمأبض : كل ما يثبت عليه فخذك . وقيل : المأبضان : الركبتين والمرفقين . وجاء في التهذيب : مأبضا الساقين : ما بطن من الركبتين وهما في يدي البعير باطنا المرفقين . وقال الجوهري : المأبض : باطن الركبة من كل شيء ، والجميع قابض وهو المقصود في هذا الباب .